تفسير الفاتحة بعبارات واضحة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد،

فإن الله تعالى أنزل القرآن الكريم لنفهمه ونتدبره ثم نعمل به، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)()، والتدبر هو: النظر إلى ما وراء الألفاظ من المعاني والعِبَر والمقاصد، الذي يثمر العلوم النافعة والأعمال الزاكية()

فينبغِي لكُلِّ مُسلِمٍ – وهوَ يقرأُ الفاتحةَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ- أنْ يفهَمَ مَعناها لِيعملَ بمُقتضاها، فهذا تفسيرٌ مُختصرٌ لها:

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أيْ: أبتدِئُ قراءةَ القرآنِ باسمِ اللهِ مُستعينًا بهِ، مُتبَرِّكًا باسمِهِ.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ) أيْ: مُستَحَقٌّ للهِ، والحمدُ هوَ الثناءُ على اللهِ بصفاتِ الكمالِ، وبأفعالِهِ الدائرةِ بينَ الفضلِ والعدلِ، فلهُ الحمدُ الكاملُ بجميعِ الوجوهِ، ومعنى لفظِ الجلالةِ (اللهِ): المألوهُ، أيِ: المعبودُ حبًّا وتعظيمًا، المستحِقُّ لإفرادِهِ بالعبادةِ؛ لما اتَّصَفَ بهِ مِنْ صفاتِ الألوهيَّةِ.

(رَبِّ الْعَالَمِينَ) الرَّبُّ: هو مَن اجتمعَ فيه ثلاثة أوصاف: الخَلْق، والمُلك، والتدبير؛ فهو الخالِقُ المالِك لكلِّ شيء، المدبِّر لجميع الأمور()

والعَالَمونَ: جمع عَالَم، وهو كلُّ ما سوى الله تعالى، مِن الملائكة والإنس والجنِّ والطير وغيرها.

وقد “وُصِفوا بذلك؛ لأنَّهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى؛ ففي كلِّ شيء من المخلوقات آية تدلُّ على الخالق: على قدرته، وحِكمته، ورحمته، وعِزَّته، وغير ذلك من معاني ربوبيَّته”()

وتربيةُ الله تعالى لخَلْقه نوعان: عامَّة وخاصَّة.

” فالعامَّة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لِما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

والخاصَّة: تربيته لأوليائه، فيربِّيهم بالإيمان، ويوفِّقهم له، ويكمِّله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكلِّ خير، والعِصمة عن كلِّ شر.

ولعلَّ هذا المعنى هو السِّرُّ في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ (الرب)؛ فإنَّ مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيَّته الخاصَّة.

فدلَّ قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) على انفراده بالخَلْق والتدبير، والنِّعَم، وكمال غناه، وتمام فقر العالَمين إليه بكلِّ وجه واعتبار”()

(الرَّحْمَنِ) ذو الرحمةِ الواسعةِ، أيِ: الذي بلغَ في الرحمةِ غايتَها ومُنتهاها.

(الرَّحِيمِ) ذو الرحمةِ الواصلةِ، والمرادُ بهِ فعلُهُ بالمخلوقينَ.

فالله سبحانه وتعالى رحمن في ذاته، رحيم بمخلوقاته سبحانه وتعالى، وهذا عند اقترانهما كما في الآية، أما لو انفرد أحد الوصفين فإنه يكون شاملًا للآخر، فالرحمن عند انفرادها يراد بها الصفة والفعل، وكذا الرحيم، وهذه الصفة تستغرق كل معاني الرحمة.

ومن فوائد إتباع (رَبِّ الْعَالَمِينَ) () بـ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)() بيان أن ربوبيته سبحانه هي ربوبية رحمة لا ربوبية شدة ولا ظلم.

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): مالكِ يومِ الجزاءِ والحسابِ وهوَ يومُ القيامةِ، وخصَّ مُلكَهُ بيومِ الدِّينِ معَ أنهُ يملِكُ الدُّنيا والآخرةَ؛ “لأنَّهُ لا يدَّعِي أحدٌ هنالِكَ شيئًا، ولا يتكلَّمُ أحدٌ إلا بإذنِهِ”()، قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)().

وأيضًا إتباع (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)() بـ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) () يدل على أن ملك الله تعالى ملك رحمة وهو كقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ)().

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أيْ: لكَ وحدَكَ نتذلَّلُ أكملَ ذُلٍّ. والعِبَادةُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ ويرضاهُ، مِنَ الأعمالِ والأقوالِ الظاهرةِ والباطنةِ().

الأعمال الظاهرة: مثل الزكاة، والأعمال الباطنة: مثل التوكل على الله، فهو من عمل القلب.

الأقوال الظاهرة: مثل تلاوة القرآن، والأقوال الباطنة: مثل تصديق القلب بأن القرآن حق من عند الله، فهذا من قول القلب.

ولا تستقيم العبادة ولا تُقبَل إلا إن كانت خالصة لله تعالى، وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أحدث في دين الله ما ليس منه فإنه لم يحقق العبودية التي أرادها الله من العباد.

(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أيْ: لا نستعينُ إلا بكَ، والاستعانةُ: “الاعتمادُ على اللهِ تعالى في جلبِ المنافعِ, ودفعِ المَضارِّ, معَ الثقةِ بهِ في تحصيلِ ذلِكَ”().

والمعنى: فلا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين: العبادة والتوكل، قال تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ()

قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ().

فمن طلب العون من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله – كالشفاء – فهو مشرك، فالطبيب المعالج مجرد واصف للدواء وأما الشافي فهو الله.

حتى الأمور العادية التي يجوز للمخلوق أن يستعين فيها بالمخلوق – كقرض مثلًا – فهو حين يطلب ذلك من المخلوق يعتقد قلبه أن الأمر بيد الله تعالى إن شاء يسَّره، وإن شاء لم يُيَسره.

ولمَّا انتهى العبدُ مِنَ الثناءِ على اللهِ تعالى، ناسبَ أن يُعَقِّبَ بالدُّعاءِ والطَّلَبِ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)() أيْ: وفِّقْنا للثباتِ على الطريقِ الواضحِ الذي لا اعوجاجَ فيهِ، وهو الإسلامُ.

والهداية هنا تشمل هداية التوفيق، وهداية العمل، وهذه هي فائدة حذف حرف الجر، فلم يقل: «اهدنا إلى الصراط» بل تعدى الفعل بنفسه ليشمل النوعين من الهداية.

وقد اختلفت عبارات المفسرين في تفسير الصراط، فقيل: كتاب الله، والإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم، والحق، والقرآن، وكل هذه التفسيرات ترجع إلى أمر واحد، وهو: المتابعة لله وللرسول عليه الصلاة والسلام، فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام.

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أيْ: طريقَ الذينَ أنعمتَ عليهِمْ بطاعتِكَ وعبادتِكَ وهُمُ المَذكورونَ في قولِهِ تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)().

(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) هُمُ اليهودُ، وكلُّ مَنْ علِمَ بالحقِّ، ولَمْ يعمَلْ بهِ. 

(وَلَا الضَّالِّينَ) هُمُ النصارَى، وكلُّ مَنْ عَمِلَ بغيرِ الحقِّ جاهلًا بهِ.

فاحرص على مصاحبة الصالحين المهتدين وتجنب المغضوب عليهم والضالين تكن من الفائزين المفلحين.

والحمد لله ربِّ العالمين

وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *