المقاصد الجامعة من سورة الفاتحة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد،

فإن من المعلوم الثابت أن القرآن الكريم أُنْزِلَ لمقاصد جليلة، مبنية على مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، ومتضمنة لأسباب سعادتهم في المعاش والمعاد، وفهم هذه المقاصد الأساسية لنزول القرآن الكريم أمر لابد منه لفهم القرآن الكريم وتدبُّره، والإخلال به يُؤَدِّي إلى الخطأ في فهم كلام الله عز وجل. قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)() قال ابن عاشور: “وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرهم بحفظ ألفاظه، لتكون معانيه حاضرة عندهم”()

وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)() قال الشاطبي رحمه الله: “التدبُّر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن؛ فلم يحصل منهم تدبر”()

ومقاصد القرآن هي: “المعاني القرآنية العامة والخاصة المُعتبرَة لجلب المصالح ودفع المفاسد الكلية والجزئية”()

وتتميَّزُ الفاتحةُ بأنها سورةٌ جامعةٌ مقاصد القرآن، “ففيها مفاتيحُ لجميعِ ما في القرآنِ”()

ولسورة الفاتحة مقاصد عظيمة جامعة هي:

1- تحقيقُ التوحيدِ: 

والتوحيد هوَ حقُّ اللهِ تعالى على العبيدِ، وقد تحقق في سورة الفاتحة بكلِّ أنواعِهِ: 

توحيدُ الرُّبوبيَّةِ في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)().

وتوحيدُ الأسماءِ والصفاتِ في قوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ().

وتوحيدِ الأُلوهيَّةِ في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ().

2- التعريفُ بالمعبودِ تبارَك وتعالى بكمالِهِ وجلالِهِ:

فسورة الفاتحة تعرفنا بالله تعالى وأسمائِهِ الحُسنى وصفاتِهِ العُلَى، واستحقاقِهِ لجميعِ المحامدِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ()، ومن تدبَّرَ أسماء الله تعالى وصفاته الواردة في الفاتحة وغيرها ازداد معرفة بالله تعالى وإيمانًا به سبحانه. 

3- الإيمانُ باليومِ الآخرِ: 

تعلمنا سورة الفاتحة الإيمان باليوم الآخر والاستعداد للحسابِ والجزاءِ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ من خلال قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)()، أي: “يوم القيامة، سمِّي بذلك لأنه يوم الجزاء والحساب”().

واختصَّ اللهُ تعالى بمُلْكِ بيومِ الدينِ معَ أنَّهُ مالكُ الدنيا والآخرةِ لأنَّ ملكهُ يومئذٍ ظاهرٌ لا ينكرُهُ أحمدٌ، قالَ تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فلا يجيبُهُ أحدٌ، فيجيبُ نفسَهُ: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)()

4- التعلُّقُ بالخالقِ عزَّ وجلَّ وتحقيقُ التوجُّهِ إليهِ بكمالِ العبوديَّةِ: 

فالفاتحة تعلمنا التعلق بالله وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ()، وقد خلقنا الله تعالى لعبادته قالَ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)()، والعبادة “اسم جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال، الباطنة والظاهرة”().

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمهُ اللهُ: “الفاتحةُ نصفُها ثناءٌ على اللهِ، ونصفُها دعاءٌ للمصلِّي”()

5- تنظيمُ الصِّلةِ بينَ الخالقِ والمَخلوقِ:

فالعبد يتوجه إلى ربه بالعبادة والاستعانة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)()، والرب جل جلاله يثيبه ويُعِينه في شدته ورخائه، كما في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو يعلمه أصول العقيدة منذ صغره: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ…) الحديث().

6- الحثُّ على طلبِ الهدايةِ، وسلوكُ طريقِ الاستقامةِ: 

فالعبد يطلب من ربه أن يهديه وأن يثبته على طريق الهداية وأن يزيده هداية: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ()، ومن الهداية التعرُّفُ على أهلِ الصراط المستقيم والاقتداءُ بهِمْ، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)().

ومن أهم أسباب الهداية والصلاح مصاحبة المهتدين الصالحين كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)()، وصدق من قال:

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ، وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ *** فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي

إذَا كُنْت فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ *** وَلَا تَصْحَبِ الْأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي()

7- التحذيرُ مِنَ الطَّوائفِ الضالَّةِ الخارجينَ عنِ الصِّراطِ المستقيمِ: 

وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)()، وقد فسر الآيةَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: (الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ) ()

فالمغضوبُ عليهِمْ همُ اليهودُ وكلُّ مَنْ عرَفَ الحقَّ ثمَّ خالفَهُ عنادًا أو كبرًا أو لاتباعِ الهوَى أو لغيرِ ذلكَ مِنَ الأسبابِ، والضالُّونَ همُ النصارى وكلُّ من اتبعَ الباطلَ بجهلٍ.

لقَدْ دعَتْ سورةُ الفاتحةِ إلى كمالِ الإيمانِ، وتحقيقِ الإسلامِ، فمَنْ عمِلَ بمُقتضاها نالَ السعادةَ، وفازَ بالحُسنَى وزيادةٍ. قالَ تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ().

والحمد لله ربِّ العالمين

وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *