آداب الدعاء من سورة الفاتحة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد،

الدعاء له شأن عظيم في الإسلام، فهو لُبُّ العبادة، قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)، وَقَرَأَ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)()()

ويُستحبُّ للعبد إذا دعا أن يتحلى بآداب الدعاء حتى يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وقد أشارت سورة الفاتحة إلى بعض هذه الآداب، ومن ذلك:

1- البدءُ بحمدِ اللهِ تعالى:

قال تعالى في سورةِ الفاتحةِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)()، فحمد الله والثناء عليه توسُّل بين يدي الدعاء، بل هو نوع من الدعاء، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)()، فسَمَّى «الحمدُ للهِ» دعاءً – وهوَ ثناءٌ مَحْضٌ -؛ لأنَّ الحمدَ يتضمَّنُ الحُبَّ والثناءَ()

وقد سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجِلَ هَذَا)، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ) ()

2- الثناء على الله تعالى بما هو أهله:

الداعي في سورة الفاتحة يبدأ بحمد الله والثناء عليه وذكره بصفاته جماله وجلاله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)()، و”الذاكر متعرض للنوال وإن لم يكن مُصرِّحًا بالسؤال فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض كما قال أمية بن أبي الصلت:

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي *** حَياؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا *** كَفاهُ مِنْ تَعرُّضِكَ الثَّنَاءُ ()

قَالَ سُفْيَانُ: “فَهَذَا مَخْلُوقٌ حِينَ نُسِبَ إِلَى الْكَرَمِ اكْتَفَى بِالثَّنَاءِ عَنِ السُّؤَالِ فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ؟!”().

وقال شيخ الإسلام: “إنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ”()

3- الاهتمامُ بأمورِ الآخرةِ أكثرَ مِنْ أمورِ الدنيا:

إذا تأملنا الدعوات التي في سورة الفاتحة فسنجدها كلها بأمور أخروية: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)().

وقد ذمَّ الله تعالى الذين يقصرون دعاءهم على طلب أمور دنيوية، قال تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)()، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ” كَانَ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ يَجِيئُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامَ غَيْثٍ وَعَامَ خِصْبٍ وَعَامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لَا يَذْكُرُونَ مِنْ أَمَرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)()().

ولا حرج على المسلم أن يسأل ربه من خير الدنيا لكن لا يكون هو همه الأكبر، بل يسأل ربه ما أحب من خيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)().

4- الاهتمامُ بجوامعِ الدُّعاءِ: 

الدعاء في الفاتحة دعاء بالهداية، وهو من أجمع الأدعية فالدعاء بالهداية يشمل الصلاح والتوفيق لفعل كل خير واجتناب كل شر، ومَنْ هداهُ اللهُ فازَ وأفلحَ في الدنيا والآخرةِ، ووفَّقَهُ اللهُ لما ينفعُهُ في دينِهِ ودُنياهُ؛ ولذا فإن أهل الجنة يحمدون الله تعالى على نعمة الهداية، قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)().

ومن هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاهتمام بجوامع الدعاء، قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ) () أي: يستحب الأدعية الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وهي ما كان لفظه قليلًا، ومعناه كثيرًا()

ومن أجمع الأدعية: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)()، قال ابن كثير: “جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. 

وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام”().

ومن أجمع الأدعية: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا) ()

فمن أحب أن يُستجابَ دعاؤه فليحرص على التأدب بآداب الدعاء، وليُلِحَّ على الله في السؤال فإن الله تعالى يحب أن يُسأَل، وفي الحديث: (مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) ()

لَا تَسْألَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً *** وسَلِ الَّذِي أبوابُه لا تُحْجَبُ

اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ *** وبُنَيُّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يغضبُ()

اللهم اجعلنا من اللاهجين بذكرك، المكثرين من مسألتك (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)().

والحمد لله ربِّ العالمين

وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *