تفسير سورة الفاتحة كاملة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد،

فإن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الذي خاطب به عباده، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)().

وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق رسالته، قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)().

وهو المنهج القويم الذي جعله الله تعالى لعباده: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)()، فمن سار عليه كان من السعداء المفلحين، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: ” تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ: أَن لا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ “، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَةَ: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) () ()

وإن أردت أن تتعلم سورة من القرآن هي جامعة لمعاني القرآن وأصوله ومقاصده فهي سورة الفاتحة! 

والفاتحة أعظم سورة في القرآن بنص حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

فعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي.

فَقَالَ: (أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)()؟ ثُمَّ قَالَ لِي: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ).

ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ 

قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) ()

سُمِّيَت الفاتحة السبع؛ لأنها سبع آيات، وسميت المثاني لأنها تثنى- أي: تكرر- في كل صلاة.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلَ وَنَزَلَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُ بِأَفْضَلِ الْقُرْآنِ)؟ 

قَالَ: فَتَلَا عَلَيْهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ().

بلْ هيَ أفضلُ ما في الكُتُبِ السماويَّةِ كلِّها، قالَ عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (والَّذي نَفسِي بِيَدِه ما أُنزِلَ في التَّوْراةِ، ولا في الإِنجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها)()

وآياتُها نورٌ يستنيرُ بهِ قلبُ المؤمنِ

فعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: بَيْنَما جِبْرِيلُ قاعِدٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوقِهِ فَرَفَعَ رأسَهُ، فقالَ: (هَذا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ اليَومَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلا اليَومَ، فَنزَلَ مِنهُ مَلَكٌ، فقال: هَذا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ إِلا اليَومَ فَسَلَّمَ، وَقال: أَبشِرْ بنورَينِ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةِ الكِتابِ، وَخَواتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ، لن تَقْرَأَ بِحَرفٍ مِنهَما إِلا أُعطِيتَهُ) ()

وإذا التقى نور القرآن – لا سيما سورة الفاتحة – بنور الإيمان في قلب المؤمن فهما (نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)()، قال السدي في الآية الكريمة: “نور الزيت ونور النار حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه”().

والدعاءُ في آياتِها مُستجابٌ: 

فالفتاحة ثناء ودعاء، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) ()

فإذا منحك الله الهداية للصراط المستقيم فقد أنجحت وأفلحت فإن من سار على الصراط المستقيم وصل إلى الله، وإلى السعادة الأبدية، عَنْ مُجَاهِدٍ في قوله تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ)() قال: “الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ لَا يَعْرُجُ عَلَى شَيْءٍ”().

ولا تصح الصلاة إلا بها:

فمن لم يقرأها في كل ركعة من صلاته فصلاته باطلة()، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ()، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ – ثَلاَثًا -، غَيْرُ تَمَامٍ) ()

قال ابن قدامة: “قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا، لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ. نَقَلَهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ”()

وعن نَافِع، “أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ”().

والتأمين بعدها مع الإمام سبب لمغفرة الذنوب:

قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأمِينُهُ تَامِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ()، وفي رواية: (إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ().

وهو أيضًا سبب لإجابة الدعاء:

قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِذْ قَالَ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ) ()، “أي: يستجب دعاكم وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به”().

ولأجل ذلك يحسدنا اليهود على هذه النعمة العظيمة: نعمة التأمين، قال النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ) ().

إن الفاتحة هي أعظم سور القرآن، والقرآن هو أعظم الكتب السماوية، فالفاتحة هي أعظم الوحي وخير الكلام؛ فهي حرية أن نتلوها وأن نتدبرها، وأن نجعلها في حياتنا وذخرًا لنا ليوم معادنا.

والحمد لله رب العالمين.

One thought on “تفسير سورة الفاتحة كاملة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *